mlogo

د. عارف الركابي

البروفيسور عارف الركابي

المضربون عن العمل ودعاء النبي (فاشقق عليه)

أن تضرب عن العمل فتمتنع - متعمدا - عن خدمة المواطنين فيحصل لهم بذلك مشقة مهما كانت هذه المشقة فأنت آثم بذلك وعاص وظالم..ويشملك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (فاشقق عليه) فإن قصر هذا الدعاء على الحاكم فقط هو من الجهل الشنيع.. فإن كل من شق على المسلمين يشمله الدعاء.. والحاكم الذي يشق على رعيته في رأس القائمة. وقصر الحديث على المشقة الصادرة من الحاكم فقط هو نفس الفهم الخاطئ من بعض من يقصر قوله تعالى : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) فهم يقصرون الآية على الحكام فقط بينما هي في كل من لم يحكم بشرع الله في بيته أو عمله أو نفسه أو أسرته رجلا كان أو امرأة.. وهذا الاتجاه في الاستدلال هو من تخصيص العموم بغير مخصص وهو خلل كبير وجهل عريض.الحق الواضح أن تضرب عن العمل فتمتنع - متعمدا - عن خدمة المواطنين فيحصل لهم بذلك مشقة مهما كانت هذه المشقة فأنت آثم بذلك وعاص وظالم..ويشملك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (فاشقق عليه) فإن قصر هذا الدعاء على الحاكم فقط هو من الجهل الشنيع.. فإن كل من شق على المسلمين يشمله الدعاء.. والحاكم الذي يشق على رعيته في رأس القائمة. وقصر الحديث على المشقة الصادرة من الحاكم فقط هو نفس الفهم الخاطئ من بعض من يقصر قوله تعالى : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) فهم يقصرون الآية على الحكام فقط بينما هي في كل من لم يحكم بشرع الله في بيته أو عمله أو نفسه أو أسرته رجلا كان أو امرأة.. وهذا الاتجاه في الاستدلال هو من تخصيص العموم بغير مخصص وهو خلل كبير وجهل عريض.فعن أي ظلم يتحدث من يمنهج الظلم بالدعوة إلى الإضراب؟! وعن أي فساد يتحدث من يجعل فساد حال المواطنين وسيلة لتحقيق مطالبه؟!إن الغاية لا تبرر الوسيلة.. فالوسيلة التي بها ضرر المسلمين هي من الضرر الذي أمرت الشريعة برفعه عن المسلمين.وكم من الأضرار التي تقع بامتناع الناس عن أعمالهم.وتفاصيل معنى الحديث ودلالاته في المقال التالي..علما بأن هذا المقال قد نشرته بهذه الصحيفة والإنقاذ موجودة وواقفة على رجليها في عام 2011 وأعدت نشره في ١٨ يناير ٢٠١٨ حتى لا يلصق على المقال الديباجة التي باتت محفوظة في هذه الأيام وهي قول (أين كنتم) ؟!وإني أدعو من دعوا إلى الإضراب عن العمل أو قاموا بتنفيذه إلى قراءة هذا المقال وفهم العموم الذي يشمل كل من شق على مسلم أو مسلمة :كيف وقد دعا عليه النبي بقوله :(فَاشْــــــقُقْ عَلَيْــــــــــهِ) ..؟!لا يعتبِرُ ولا يتعِظُ من المواقف التي تحدث في هذه الحياة إلا الموفقون .. وهم (أولوا الألباب) و (العالمون) .. كما جاء وصفهم في القرآن الكريم .. (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) .. (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) .. والخروج بالدروس والعبر بما يفيد المرء في واقع حياته ومستقبله أمر مهم ، بل مهم جداً .. فالإنسان عرضة للجهل .. واتباع الهوى .. والغفلة .. وتلبية رغبات النفس الأمّارة بالسوء ..وتزيين شياطين الإنس والجن .. وغير ذلك ..ومن رحمة الله بالمرء أن يجد في الأحداث وما يشهده في حياته ما يصحح به المسار ويُعَدّل به الطريق .. ويصلح به الأعمال .. وإذا كان (كثيرون) لا يستجيبون للتوجيهات الربانية .. ولا يهتدون بالنصائح النبوية .. ولا يستقيمون على الأخلاق المرعية .. بل ولا يتصرفون بمقتضى العقول (الزكية) و(الذكية) ..!! إذا كان بين البشر من لا يرفع رأساً لذلك ، وكانوا بحق من (المحرومين) من كل ذلك .. فحري بهم أن يعتبروا بــالعظات والعبر التي ينبغي أن يكون لهم فيها الفوائد والمعتبر ..ليفيدوا من ذلك.. وتلك العبر هي من الدليل الواضح والبرهان الساطع لتأكيد إعجاز تلك الأخبار الصادقة التي جاءت بها تلك النصوص الصريحة ..طالما أن كثيرا من الناس لا تنفعهم النذر .. ولا يغير من حالهم الوعيد (الأخروي) الذي جاء فيه نصوص كثيرة منها قول الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام : « مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.طالما هناك من لا يعطون بأفعالهم قدسية لتلك النصوص التي جاء فيها مثل هذا التحذير(الأخروي) .. ولا يرون أنهم قد عرّضوا أنفسهم له بما كسبت أيديهم .. فلينتبهوا إلى ما جاء في بعض النصوص الأخرى من العقوبات (الدنيوية) العاجلة.. قبل ما ينتظرهم من الوعيد (الأخروي) الآجل.لقد دعا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء العظيم :« اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ » رواه مسلم ..لقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام على من ولي من أمر أمته (شيئاً) فشق عليهم .. بأن يشق الله عليه .. فماذا ينتظر من (شقّ) على المسلمين في أمورهم ، فضيق عليهم في (دينهم) أو (دنياهم) أو في (كليهما) ؟!قال النووي في شرح هذا الحديث : (هَذَا مِنْ أَبْلَغ الزَّوَاجِر عَنْ الْمَشَقَّة عَلَى النَّاس ، وَأَعْظَم الْحَثّ عَلَى الرِّفْق بِهِمْ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث بِهَذَا الْمَعْنَى).أ.هـكثيرون لم يعقلوا هذا الدعاء ، وربما البعض لا يعني لهم الكثير أو القليل !! وذلك بلسان حالهم .. وقد يكون بلسان مقالهم ..أحياناً !! وبالتالي فإنهم لم يحرصوا بأفعالهم وتصرفاتهم وما تهيّأ لهم لبذل الأسباب التي تجعلهم في نأي وبعد عنه .. فكان لا بد من التذكير ولفت الانتباه ــ بقدر الإمكان والمستطاع ــ لتكن لهم عبرة فيما يعايشونه .. وما يرونه أو يسمعونه.. وإن الجزاء من جنس العمل .. وجاء في الحديث (كما تدين تدان) ...وقال المناوي في شرح الحديث : (وقد استجيب فلا يُرَى ذو ولاية جار إلا وعاقبة أمره البوار والخسار).أ.هـفهل من معتبر ؟! وهل من متعظ ؟!ماذا ينتظر من شقّ على المسلمين ؟!وضيّق عليهم في معاشهم؟!وحرمهم حقوقهم ؟! ولم يعطف عليهم ؟! ولم يرحمهم ؟! وماذا ينتظر من جعل حربه على الدين ؟! وجعل المسلمين الراغبين في أداء شعائرهم وإظهارها واتبع سنة خاتم المرسلين من (المجرمين) ؟!! بل سنّ لأجل ذلك القوانين ؟!!(فَاشْقُقْ عَلَيْهِ) .. دعاء من الرفيق بأمته عليه الصلاة والسلام.. الحريص عليها .. الذي وصفه ربه بقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) .. إنه الحريص على نجاة الجميع .. وسعادتهم في العاجل والآجل .. الحكام والمحكومين ..وقال الشيخ العثيمين في شرح الحديث ـ أيضاً ـ : (.... فإنك تدخل في الطرف الثاني من الحديث وهو الدعاء عليك بأن يشق الله عليك والعياذ بالله .يشق عليك إما بآفات في بدنك أو في قلبك أو في صدرك أو في أهلك أو في غير ذلك لأن الحديث مطلق (فاشقق) عليه ، بأي شيء يكون ، وربما لا يظهر للناس المشقة ، قد يكون في قلبه نار تلظى ، والناس لا يعلمون لكن نحن نؤمن بأنه: إذا شق على الأمة بما لم ينزل الله به سلطاناً فإنه مستحق لهذه العقوبة من الله تعالى).أ.هـإذاً ؛ فليبشر (كلُّ) من شق على المسلمين .. بأنه قد عرّض نفسه بمشيئته وطوعه واختياره لأن يشق الله عليه .. عاجلاً أم آجلاً.. ومن غير المجهول أن من رفق بهم رفق الله به .. ويسّر له أموره .. بل نصره ودافع عنه .. و(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) ؟! ، فالله عز وجل هو المالك لهذا الكون والمتصرف فيه .. بيده الأمر كله.. وإليه يرجع الأمر كله .. لا مانع لما أعطى ولا معطي لا منع .. ولا تحولٌ من حال إلى حال .. ولا قوة إلا به ..(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).فما أجهل من ظنّ أنه يفلت من الله القوي الجبار القهار !! أو أن سنة الله في كونه وخلقه لا تجري عليه !! أو أن دعاء المبعوث رحمة للعالمين لا يشمله !! ما أجهله ..!! وما أضعفه .. !! وما أهونه عند الله ثم خلقه ..!!.وغير الخفي أن الحديث يدل على شمولية (دعاء) النبي الكريم على (كل) من ولي من أمر المسلمين (شيئاً) .. فقصر الدعاء على طائفة (الحكام) فقط هو من الخطأ الكبير!! .. فالحكام هم بلا شك أعظم من يشملهم الحديث .. إلا أن كلمة (شيئاً) في الحديث (نكرة في سياق الشرط) وهي تدل على (العموم) .. كما هو مقرر في علم الأصول .. فالدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على كل من ولي أمر المسلمين وشق عليهم ، سواء أكان الأمر (عاماً) أم (خاصاً) ، فيدخل في ذلك : الحاكم .. والقاضي .. والوزير .. والمستشار .. ووالي الولاية .. والمحافظ .. والمعتمد ..ورئيس المحلية .. ومدير المدرسة .. أو الجامعة .. والمدرس .. ومدير الشركة .. وصاحبها وغيرهم .. بل رب الأسرة هو ممن يلي أمر أسرته ..فالحمد لله الذي شرع لنا شريعة كفلت بتوجيهاتها العظيمة الحياة الطيبة للحكام والمحكومين .. في الحال والمآل .. في العاجل والآجل...أقول : أرجو أن يتدبّر ما ورد في هذا المقال كل من دعا أو شارك في إضراب يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين ، وإن الظلم لن يرفع بإيقاع الظلم والمشقة لا تدفع بتحميلها الناس ، ورحم الله من اجتهد لنجاة نفسه وأداء حقوق خالقه وحقوق خلقه.

Who's Online

501 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search