طبقات بلد

{ استاذ
«بريم» رحالة ألماني في العام 1850 لا يمر بمنطقة في السودان إلا صرخ: هذه أفقر منطقة في العالم.
{ لكن الرجل يصف الضيافة السودانية بقوله: يقولون هنا إنه يستحيل عليك أن تنام الليل بين قبرين ـ والسبب هو أن  كلاً من الميتين يجذبك إليه للضيافة.
{ والرجل يصف السوداني والثوب والمركوب والنقاء.
{ ثم يصف الخرطوم ومنطقة الجامع الكبير الآن «وتجاور سوق الرغيف أسواق اللبن والفاكهة والخضروات ـ ووسطها تقوم المشنقة ـ والناس تغدو وتروح ـ  وتشرب الشاي بينما هناك رجل يشنق».
{ ويتحدث عن اسلام السودانيين بأنه «يشرب حار ويكتب حار»
{ و... و... اسلام له كل صفات «الشربوت»!!
{لكنك وأنت تقرأ هذا تنتبه إلى أن الأطفال يومئذ كانوا هم ـ بعدها ـ الجيل الذي يقود الثورة المهدية ـ المسلمة!!
{ وفي الاربعينيات ـ يوم استحكمت خيمة الخمول.. كان شربوت الإسلام يصبح شيئاً يرمي الزبد ـ بسبب الثقافة الغربية
{ لكنك أنت تجد أن أطفال يومئذ هم الذين يصنعون الثورة الإسلامية اليوم
{ وأطراف صراع اليوم له ملامح غريبة  ـ فالعجائز منهم ـ «ابو عيسى والترابي والصادق المهدي ومنصور خالد و...» كلهم كان يمشي في أول شبابه.
{بينما البشير كان عام «1950» طفلاً في  الثامنة وقرنق في الخامسة.. وسلفا كير في عامة الثاني ومشار في السابعة و.. ثم نافع ويحيى وفلان وفلان من بعدهم.. أطفال ومواليد
{ لكنهم كانوا يصنعون بذرة السودان اليوم.. السودان المختلف
{ فمجلدات تمتد وتمتد ـ ترسم السودان.. تلك الأيام
{ لكنها مجلدات ما يميزها هو «عنف الصراع»
{ وعنف الصراع أيام النميري هو الذي يقود الرجل إلى ـ المصالحة
{ بينما الشيء الذي يقود الإنقاذ للمصالحة هو .. جورج!!
{ وجيل النميري كان ابرز ما فيه هو انشقاق مجلس الثورة «حمدنا الله والعطا والآخرين من الشيوعيين ـ ثم السبعة الآخرين الذين يذبحونهم بعد انقلاب هاشم ثم مذبحة الضيافة ـ ثم يوليو 1976.. ثم .. ثم
{ بينما الآن .. ما يحدث هو أن الإنقاذ تصل إلى ما ظلت تدعو له منذ عشرين سنة.. وبثبات ممل
{ ..التعاون من أجل الوطن..
{ والمعارضة من هناك ـ حتى أمس الأول تتحدث في اللقاء الشعبي عن العنف
{ لكن ـ المعارضة التي تتحدث عن العنف من هنا ترسل أبناء الميرغني والمهدي من هناك للمشاركة
ـ ولا تناقض في الأمر.. فالأمر كله هو .. حكاية جورج
{ وحكاية جورج حكاية انجليزية
{ ففي لندن الارستقراطية البريطانية في احتفال رأس السنة تجتمع في بيت أحدهم حول الديك الرومي
{ والضيوف هناك الذين يجلسون خلف الصحون تلك الليلة يدخل عليهم الطباخ يحمل الديك الرومي المطبوخ المتبل ورائحته تسبقه
{ والطباخ يمشي منتفخاً و... و...
{ والطباخ ينزلق ـ  والديك يطير ويتدحرج على الأرض و...
{ وكل أحد من المجموعة الارستقراطية يحتفظ بوجهه في اتجاه واحد .. وكأنه لا يلاحظ شيئاً.
{ لكن الحديث والضحك ينقطع
{ وفي وسط الصمت يرتفع صوت صاحبة البيت لتقول بهدوء إرستقراطي
: حسناً يا جورج ـ الآن خذ هذا الديك من على الأرض .. وعد إلى المطبخ واحضر لنا الديك «الآخر»!!
{ وبعد دقائق كان جورج يعود بالديك «الآخر»
{ والمجموعة الارستقراطية تلتهم الديك والضحك المبتهج كان عنيفاً.
{والضحك كان سببه هو أن  كل أحد من المجموعة الارستقراطية كان يعلم تماماً ـ ويعرف أن الآخرين يعلمون تماماً ـ أنه لم يكن هناك ديك «آخر» على الإطلاق
{ وأن الارستقراطية تلتهم الديك الذي تدحرج على الأرض تحت عيونهم
{ والحكومة الأخيرة البهيجة تنجح في الاتفاق لسبب بسيط.
{ فالدولة كانت تعرض عرضها
{ والأحزاب ترفض في عنف ـ التهام الديك المتدحرج على الأرض
{ بينما الأحزاب وسراً ـ كانت مستعدة تماماً لالتهام أي شيء
{ والوطني يقول: حسنًا يا جورج
{ والعقدة تحل.. والجميع الآن يلتهم الديك وهو في غاية الانبساط
{ الوطني ـ لأول مرة في تاريخ السودان يجعل السودان يتخطى فصل «الصراع» إلى فصل التوافق
{ لكن ما كل التلاميذ «ينقلون»
{ وحتى أمس  كان الصادق يحدث الناس عن أنه «لم تكن هناك بندقية واحدة ضد حكومتي في دارفور».
{ والصادق ينسى أن بداية الخراب كله في دارفور كان شيئاً ينطلق من تحت أصابعه وأصابع الترابي
{فالسلاح الذي ما يزال يقتل دارفور كان هو السلاح الذي تجلبه المعارضة «الجبهة الوطنية» عام 1976 إلى دارفور ـ بدعم من القذافي و...
{ ليبدأ النهب المسلح
{ والصراع القبلي هناك كان شيئاً يبدأه الصادق وهو يسلح «بعض» القبائل ـ ضد قبائل أخرى
{ والقذافي يدعم هذا في حربه ضد تشاد.. أيام اوزو
{ بعدها ـ عام 1986 ـ لم تكن هناك بندقية في دارفور ضد الحكومة ـ لسبب بسيط هو أن حكومة الصادق ما كان لها وجود في دارفور على الإطلاق يومئذ.
{ ..و..
{ ومهرجان الشعبي أمس الأول يتحدث فيه المحامي ساطع الحاج ـ ليقول إنهم  سوف يطاردون الوطني.. زنقة ـ زنقة.
{ والترابي: الذي يتطير من تاريخ الكلمة هذه يزم عيونه ـ فالكلمة هذه تصبح فألاً سيئاً ـ حيث إن صاحبها ـ القذافي ـ انتهى أمره وهو يجرجر من حفرة ويقتل.
{ وأحدهم ينظر إلى المحامي هذا ـ وهو من قادة البعث ـ ليقول ساخراً
: غريب أن حزب البعث السوري ـ الذي يرفع شعار أمة عربية موحدة ـ يصبح هو أول حزب ودولة يطردها العرب كلهم.. وبإجماع شعبي ورسمي
{ وصبي يهاتفنا ليقول
: استاذ
: اولاد الصادق والميرغني المشاركون في الحكومة يقولون أنهم لا يمثلون بيوتهم ـ اذن هلا «خرج» كل منهم من بيته  ليرى أيهدى إليه أم لا
{ والجيل القادم من الإنقاذ يولد الآن .. والزمان القادم تحت فلسفة «المصالحة» والمصالح الحقيقية ـ التي لاول مرة في تاريخ السودان تتلو «خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن ...».. فلان!!
٭٭٭
بريد
ومصيبتنا تكشف عن حزين بعد حزين ـ ومنهم الصافي جعفر.. والشيخ الصافي يكتب:
أخي الودود .. الأستاذ/ اسحاق
حفظه الله
السلام عليكم من الله ورحمة منه وبركات
قرأت عمودك البارحة.. وانت تنتحب.. وتولول.. وتذكر.. والدتك الكريمة في كلمات صادقة عارية من التصنع.
ورجعت بي الذاكرة.. إلى ضحى ذلك اليوم من عام 1993م.. وأنا أداري الثرى. أمي «بنت المدني».. وكما يقولون فإن الأسى يبعث الأسى ولكن العزاء أخي.. هو أن الموت رغم حرارته هو رحلة عودة وإياب إلى الله «إن إلى ربك الرجعى» «واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله».
والرجوع لغة يعني الاياب إلى المكان الذي انطلقت منه.
ولقد انطلق الآدميون من الجنة هي كانت وطنهم الأول.. ثم كتب عليهم الاغتراب عنها فنزلوا إلى حياة «دنيا» أي أقل..
وسيعودون إلى حياة أخرى.. إما نعيم مقيم.. أو جحيم مقيم..
وشيخنا أبو حامد الغزالي لخص هذه الرحلة في أبيات له فقال إن الإنسان يولد له ولد فيفرح.. ويموت فيحزن..
ولم يعلموا أن الولادة غربة   ابيحت له عن خير دار وجيرة
وموتته عود له نحو أهله    وأوطانه الأصلية المستلذة
ولقد رجعت إلى كراريس قديمة فحصلت على قصيدة رثيت بها امي يومئذ وهأنذا أبعثها إليك وهي ضمن مجموعة «أنفاس العشية» ومعها الديوان ولك مطلق التصرف في نشرها كاملة أو بعضها.
أخي الكريم
أسأل الله أن يكرم والدتكم الكريمة بما يكرم الله به خلص عباده وأصفيائه إنه سميع مجيب.
أخوكم:
مهندس/ الصافي جعفر االصافي
أيا قبس النور هل قد خبا
شعاعك ذاك الذي لا ينال
وهل غاب ذاك الضياء الذي
عكفنا عليه سنين طوال
هيا حدثي عن ديار البقاء
فإنا شغفنا بدار الزوال
وكيف أحبتك السالكون
قد انتظموا في صفوف طوال
يهشون في فرحة للقدوم
ويحيون في نشوة وابتهال
هناك حيث الصفاء المقيم
وحيث الفيوض وحيث الكمال