اسحق فضل الله

دون ليل وخمر

في مصر.. الجدال حول تنشيط السياحة كان يقول.
: السياح.. هل يحبون الراقصة ببدلة رقص
مفتوحة ام مقفولة
قال آخر: السياح يحبون الراقصة دون بدلة على الاطلاق.
السياح قالوا
: هل تظنون اننا نأتي من اوروبا (وعريها الكامل) لننظر الى فخذ الراقصة عندكم؟
جدال المتجادين كان يجهل ما يحمله السائح في نفسه.
من عرف شيئاً عن اوروبا ونفس الاوروبي في سياحة مصر صنع اعلاناً تلفزيونياً يقول للاوروبي
: تعال لتقف على بعد خطوة واحدة من ستة آلاف عام.
والكلمات تصحبها صورة للسياح وهم امام مومياوات الفراعنة قبل ستة آلاف عام.
الجهة تعرف أن الاوروبي يبحث عن (الحياة) الطويلة.
تعرف وتستخدم المعرفة هذه.
وعالم (الدعاية) هو عالم الذكاء المدهش في العالم كله.
والذكاء يستخدم (ما عند الناس) ليحدثهم ويجذبهم.
وفي الستينيات.. وايطاليا يومئذٍ تمنع (الأحضان) في الطريق العام.. دعاية موتر (الفسبا) تنطلق.
وموتر الفسبا.. جميل وله مقعد خلفي
والشركة تجعل شاباً (في الدعاية) ينطلق بالموتر وعلى المقعد الخلفي (فتاته) وهي تحتضنه بشدة.. في الشارع.
والدعاية تقول
: احتضن فتاتك في الطريق العام.
والموتر ينجح إلى درجة أن شركات السيارات اشترت المصنع بأضعاف سعره.
ثم قاموا (بتفكيك) الموتر الذي جاءهم بالكساد.
والسياحة عندنا هي (خمر وليل وخواجة سفيه)..
مشكلة!!
وعلي حامد.. والي بورتسودان.. يأتي بالحل العبقري.
(2)
- الرجل.. علي حامد.. لما كان ملحقاً لسفارتنا في النمسا يجد أن النمسا التي تتمتع بصناعة هائلة تحصل على ثلث دخلها من السياحة.. لان كل شيء جميل.
والجمال هناك ليس هو الليل والخمر.. بل الجمال هو أن
: النمسا كانت امبراطورية .. ومباني خمسة قرون تقام هناك.. قصور وقلاع واباطرة وبقايا ثراء مدهش.
النمسا جعلت الاوروبي الذي يشتهي (جرعة) من التاريخ والزمان القديم يتدفق إلى هناك
وعلي حامد .. صديق له من أثريا العالم يحدثه عام 1993 ليقول
: ثروتكم ليست هي البترول ولا الزراعة.. انا مليونير أعرف كيف تصنع الثروات .. ثروتكم / التي لا يستطيع احد ان يسلبها/ .. قالها وكأنه يتبنأ بسلب البترول.
: ثروتكم هي كنز تحت شاطئ البحر فيه من الحياة المذهلة ما يجعل العالم يتدفق عندكم.
والكنز هذا موجود (ومصر تحاول العام الماضي تدميره).
وشركات أوروبية تطلق افلاماً صغيرة عن السودان عام 1996م.
وعام 1997م نجيب الخير والي بورتسودان يومها يتصل بعلي حامد ليسأله في دهشة
: عملت شنو؟! السياح هنا اصبح عددهم ثلاثة عشر الف سائح.
(السياح اليوم عددهم لا يتجاوز ثلاثة آلاف يأتون متعجلين)
وفي الحديث عن
: الاعلام المأجور الذي يأكل لحم السودان كيف العمل معه؟
: الاجابة كانت هي ان تسعة اعشار المواطنين في اوروبا لا يهتمون بالسياسة والاعلام السياسي.. يهتمون بالسياحة والفنون والطبيعة والجمال والتاريخ الذي يتنفس.. وردودنا في الصحف السياسية لا معنى لها.
وعلي حامد يقيم مهرجاناً للسياحة العام الماضي والمهرجان الرائع يقتل حين يبقى داخل السودان.. وعلي حامد يذهب هذه الأيام الى
: الخروج إلى العالم.
وشركات متخصصة تعرف كيف تجلب الناس الى شاطئ بورتسودان.
وإلى ما تحت الماء وفوق الماء.
والذكاء الذي يدير السياحة يعمل في اسبانيا في الستينيات.. ويصبح أنموذجاً.
فالكاتب الإسلامي المدهش المرحوم محمد جلال كشك حين يزور غرناطة ومسجدها الرائع يذهب الى النافورة (نافورة مسجد غرناطة مازالت تعمل منذ ثمانمائة عام).
ويتوضأ ويصلي.
ليست عيون المسجد وحدها هي التي فتحت بعد ستمائة عام تنظر إلى هذا الذي يصلي ويقرأ ويكبر ويسجد.. السياح المزدحمون التفوا حوله يلتقطون الصور.
والسياحة في اسبانيا تلتقط الصور وتطلق دعاية في اوروبا كلها تدعو المسيحيين لزيارة مسجد غرناطة قبل أن يلتهمه المسلمون.
وبالفعل.. تدفقوا.
دون أفخاذ عارية ودون خمر.. ودون.. ودون.. بورتسودان تستقبل مئات الآلاف من السياح .. الذين يجلبون ملايين الدولارات حين يعرف شخص واحد كيف يفعل.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search